ابن عطية الأندلسي

186

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يكتبوا سحرا وينسبوه إلى سليمان بعد موته ، وقيل إن الجن كتبت ذلك بعد موت سليمان واختلقته ونسبته إليه ، وقيل إن الجن والإنس حين زال ملك سليمان عنه اتخذ بعضهم السحر والكهانة علما ، فلما رجع سليمان إلى ملكه تتبع كتبهم في الآفاق ودفنها ، فلما مات قال شيطان لبني إسرائيل : هل أدلكم على كنز سليمان الذي به سخرت له الجن والريح ، هو هذا السحر ، فاستخرجته بنو إسرائيل وانبث فيهم ، ونسبوا سليمان إلى السحر وكفروا في ذلك حتى برأه اللّه على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود : انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرا . وقوله تعالى : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئة من اللّه تعالى لسليمان ، ولم يتقدم في الآيات أن أحدا نسبه إلى الكفر ، ولكنها آية نزلت في السبت المتقدم أن اليهود نسبته إلى السحر ، والسحر والعمل به كفر ، ويقتل الساحر عند مالك رضي اللّه عنه كفرا ، ولا يستتاب كالزنديق ، وقال الشافعي : يسأل عن سحره فإن كان كفرا استتيب منه فإن تاب وإلا قتل ، وقال مالك : فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل ، واختلف في ساحر أهل الذمة فقيل : يقتل ، وقال مالك : لا يقتل إلا إن قتل بسحره ويضمن ما جنى ، ويقتل إن جاء منه بما لم يعاهد عليه ، وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون من « لكنّ » ونصب الشياطين ، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بتخفيف النون ورفع « الشياطين » ، قال بعض الكوفيين : التشديد أحب إليّ إذا دخلت عليها الواو لأن المخففة بمنزلة بل ، وبل لا تدخل عليها الواو ، وقال أبو علي : ليس دخول الواو عليها معنى يوجب التشديد ، وهي مثقلة ومخففة بمعنى واحد إلا أنها لا تعمل إذا خففت ، وكفر الشياطين إما بتعليمهم السحر ، وإما بعلمهم به ، وإما بتكفيرهم سليمان به ، وكل ذلك كان ، والناس المعلمون أتباع الشياطين من بني إسرائيل ، و السِّحْرَ مفعول ثان ب يُعَلِّمُونَ ، وموضع يُعَلِّمُونَ نصب على الحال ، أو رفع على خبر ثان . وقوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ : ما عطف على السِّحْرَ فهي مفعولة ، وهذا على القول بأن اللّه تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه ، أو على قول مجاهد وغيره : إن اللّه تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر ، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه ، وقيل إن ما عطف على ما في قوله : ما تَتْلُوا ، وقيل : ما نافية ، رد على قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ، وذلك أن اليهود قالوا : إن اللّه أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى اللّه ذلك ، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى « الملكين » بكسر اللام ، وقال ابن أبزى : هما داود وسليمان ، وعلى هذا القول أيضا ف ما نافية ، وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين ، ف ما على هذا القول غير نافية ، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي ، وقال : هما هارُوتَ وَمارُوتَ ، فهذا كقول الحسن . و « بابل » لا ينصرف للتأنيث والتعريف ، وهي قطر من الأرض ، واختلف أين هي ؟ فقال قوم : هي